طارق إمام مع عدد من إصداراته (24)
طارق إمام مع عدد من إصداراته (24)
الثلاثاء 28 مايو 2024 / 15:13

الروائي المصري طارق إمام لـ24: قاهرتي الفنية ليست امتداداً لقاهرة نجيب محفوظ

الروائي المصري طارق إمام هو واحد من أهم الأصوات الروائية التي يمكن القول إنها تعبر عن واقع ومستقبل الرواية العربية، ذلك أنه استطاع منذ بدايته أن يصنع لنفسه طريقاً مميزاً في الكتابة لم يسلكه أحد غيره.

ورغم صغر سنه (ما زال في عقد الأربعينات) إلا أنه يملك جمهوراً كبيراً  من كل الجنسيات يطلقون عليه لقب "الإمام"، ويرون فيه رائداً لهم ولنوع يخصه وحده من الكتابة. طارق سيحتفل قريباً بمرور ثلاثين عاماً على صدور كتابه الأول "طيور جديدة لم يفسدها الهواء"، الذي أصدره وهو في السابعة عشر من عمره، وهو الكتاب الذي جاء كنبوءة لمسيرة إمام، حيث قدم فيه نصاً يجمع بين الشعر والسرد في تجربة فريدة، لتتوالى بعده التجارب التي لاقت اهتماماً نقدياً كبيراً مثل "شريعة القطة"، و"هدوء القتلة" و"ضريح أبي"، حتى روايته الأخيرة "ماكيت القاهرة"، التي كانت أشبه بثورة روائية ألقت الضوء بشكل أكبر على تجربته المتفردة.
لطارق آراء جدلية، تثير دائماً التفكير، منها ما جاء في حواره مع 24، حيث أكد أن الكاتب العربي يمشي على حبل رفيع، والمسافة بين تصفيق الجمهور لنجاته، وتصفيقه لموته، ضئيلة جداً، موضحاً أن قاهرته الفنية في روايته "ماكيت القاهرة" تجادل قاهرة نجيب محفوظ الفنية، فلا هي امتداد لها، ولا هي إنكار لها.

وأضاف في حواره لـ24: "المكان صانع للذات الإنسانية، يقطنها قدر ما تقطنه، واستنطاق المكان دور جوهري في تصوري للنص السردي"، مبيناً أنه كتب "أقاصيص أقصر من أعمار أبطالها" بيد الشاعر التي يحب أن يسرد بها، وبحثاً عن القصيدة التي يراها جوهر كل سرد عظيم، طال أم قصر.
وقال: "أكتب بحثاً عن الأفق الشعري، لأني أراه شرطاً للفن وليس فقط للقصيدة، هذا الأفق الذي يجعل النص يتجاوز بعده الإخباري المباشر، ويستعصي على التلخيص، وينفتح على معانٍ متكثرة، ويقبل التأويلات المتعددة حد التناقض"، موضحاً أن رحلته الأدبية القادمة روائية.

تالياً نص الحوار:

_شاركتم خلال معرض أبوظبي الدولي للكتاب، في ندوتين، أولاهما حول "أحفاد نجيب محفوظ"، كيف ترى هذا اللقب، هل هناك أحفاد لمحفوظ، أم أن الكتابة وتطورها لا تعترف بمثل هذا التصنيف؟
_ الكتابة هي مراوحة إجبارية بين التواصل والقطيعة، الانسجام والنبذ، شريطة أن يظل العنصر المهيمن (لمن يبحث عن الجدة) هو الاختلاف عن السابق وليس الائتلاف معه، لا وجود لكتابة (جديدة) منسجمةً بالكامل مع السالف، كما أن من المستحيل عملياً تشييد كتابة ذات قطيعة نهائية، فالخلق فعل تراكمي والكتابة فعل تاريخي أصلاً، من هنا تأتي علاقتي بمحفوظ، وقاهرتي الفنية تجادل قاهرة محفوظ الفنية، فلا هي امتداد لها، ولا هي إنكار لها. أما مسمى "الأحفاد" فلا أتحفظ عليه، الحفيد يأتي من سلالة الجد ولا يشترط أن يرث ملامحه أو طباعه، وشخصياً أحب عبارة بورخيس "الكاتب يصنع أسلافه"، فالحفيد أيضاً يصنع الجد، أو يحافظ على بقاء اسمه.

ـ شاركت أيضا في ندوة حول القاهرة، وتحدثت عن أن نجيب محفوظ كتب عنها كل شيء.. كيف إذن كتبتم روايتكم "ماكيت القاهرة".. وما الفرق بين قاهرة محفوظ وقاهرة طارق إمام؟
_ لم أقل إن محفوظ كتب كل شيء عن القاهرة، قلت إن منافسة "قاهرة محفوظ" أمر مستحيل لأنه أغلقها كفتوة، وبالتالي فعليك مواجهته بالهرب منه، بالبحث عن شارع روائي جديد لم يطأه، بخلق قاهرة أخرى لا تخضع أصلاً للمقارنة، الفارق بين القاهرتين شاسع، انطلاقاً من القاهرة التي عاشها محفوظ في علاقتها بالقاهرة التي أعيشها سنكتشف أننا أمام مدينتين مختلفتين، على مستوى التيار الأدبي، كتب محفوظ في أغلب أعماله عن قاهرة واقعية، بينما أدخل أنا للقاهرة من تيار مختلف يمتزج فيه الواقع بالفانتازيا، ما أراه يشكل جوهر المدينة استعارياً وبأدوات شعرية، وأخيراً هناك العالم الافتراضي الذي لم يدركه محفوظ، فسؤال المدينة الافتراضية حاضر بقوة في نظرتي للمدينة، فضلاً عن مقاربتي للمدينة عبر شخصيات تمارس الفن، ومن خلال الميتاسرد، وهذه كلها عناصر تختلف عن تلك التي صاغها معلمي الأكبر نجيب محفوظ ليُشيِّد قاهرته.
ـ بمناسبة هذه المقارنة، تقاطعت أيضا مع "ألف ليلة وليلة" في مجموعتك "مدينة الحوائط اللانهائية".. إلى من تنتمي أكثر.. إلى سرد نجيب محفوظ أم إلى سرد الليالي؟
_ نجيب محفوظ وأنا ننتمي إلى سرد الليالي، فهي جدار التخييل العربي الذي يمنح كل كاتب ميزة عظيمة: القدرة على إنتاج نصٍ جديد مغاير باستلهام نصٍ قديم مكرس، هذه معجزة "ألف ليلة": هذا النص مجهول المؤلف منحنا عدالة أن نكون جميعاً شركاء في صنعه، كلنا مؤلفو ألف ليلة وليلة.
ـ لماذا يحضر البطل المكان كبطل رئيسي في أعمالك، وما الذي شكل رؤيتك للمكان؟
_  لم أر المكان أبداً مجرد مسرح للحدث، أو خشبة مسرح يقف عليها الأبطال، أو خلفية، المكان صانع للذات الإنسانية، يقطنها قدر ما تقطنه، واستنطاق المكان دور جوهري في تصوري للنص السردي، رؤيتي للمكان تشكلت من تساؤلي الدائم الحارق حول علاقة الفرد بالمدينة، وبخاصة أن المدينة ليست معطى طبيعي كالصحراء أو البحر، إنها علامة اصطناعية بالكامل، خاضعة للقصدية، من معمار لتخطيط لبنية شكلانية شاملة، الكتابة عن المدينة إذن هي تشييد نص فني على نصٍ فني.

ـ عدت مؤخرا إلى القصة القصيرة من خلال مجموعة "أقاصيص أقصر من أعمار أبطالها"، 125 أقصوصة تنتمي للقصة الومضة، إلى أي مدى تعمدت هذا النوع من الكتابة، وهل تراه الأقرب لذائقة الأجيال الجديدة، في عصر يميل للسرعة والغرائبية؟
_ بالتأكيد كتبت "أقاصيص أقصر من أعمار أبطالها" كمشروعٍ واعٍ ومنسجم، قصدت أن تنتمي نصوصه كافة إلى الأقصوصة أو القصة الومضة، لم أضع في ذهني مسألة إيقاع العصر الذي يميل للسرعة، فهذا العصر السريع الخاطف نفسه تروج فيه الروايات الطويلة أكثر من القصص القصيرة والأشعار، ما يعني أن إيقاع قارئ وسائل التواصل الاجتماعي لا يعكس بالضرورة مزاج قراء الأدب في العالم، بل ربما كان العكس هو الصحيح، فالإقدام على كتاب ذي أفق شعري، غير مشبع للباحثين عن الحكايات المكتملة، كان مغامرة في سياق قارئ هذا العصر بالذات، ولذلك أقدمت على هذه التجربة، رغم النجاح الهائل الذي حققه عملي السابق "ماكيت القاهرة" والذي كان كفيلاً بمنح أي رواية جديدة لي نجاحاً استباقياً مضموناً، كتبت هذه الأقاصيص بيد الشاعر التي أحب أن أسرد بها، وبحثاً عن القصيدة التي أراها جوهر كل سرد عظيم، طال أم قصر، وكتبتها لأطأ أرضاً مجهولة، على الأقل بالنسبة لي.
ـ تطغى طاقة الشعر على كتابتك السردية، ماذا تضيف اللغة الشعرية للنص السردي، علماً أن البعض يعتبرها ميزة وآخرين يقللون من أهميتها ما تعليقك على ذلك؟
_ هناك أفق شعري يجيد توظيف أية لغة، فلغة الجريدة يمكن وفق سياق ما أن تصبح لغة شعرية، بينما قد تعجز لغة متخمة بلاغياً عن تحقيق أي غاية شعرية، اللغة إذن ليست قالباً سابقاً على العالم، وإنما النظرة الشعرية للعالم، التي تجعل من أعمال كافكا ماركيز وهمنغواي وبول أوستر أعمالاً ذات ثقل شعري، رغم الاختلاف الشاسع فيما بينها على مستوى اللغة والعوالم والتيارات الأدبية، أنا أكتب بحثاً عن هذا الأفق الشعري، لأني أراه شرطاً للفن وليس فقط للقصيدة، هذا الأفق الذي يجعل النص يتجاوز بعده الإخباري المباشر، ويستعصي على التلخيص، وينفتح على معانٍ متكثرة، ويقبل التأويلات المتعددة حد التناقض، كل هذه سمات شعرية، الجميع يملكون حكايات، لكن قليلين جداً يستطيعون تحويل حكاية إلى موجودٍ شعري.

ـ "هناك قيود كبيرة تكبّل الكاتب" حسب تعبيرك، أي قيود تعني، والعالم يتجه أكثر للانفتاح الثقافي التواصل والحوار؟
_ أتحدث عن الكاتب العربي، في ظل أشكالٍ عديدة من الحصار على حرية التعبير، وتكريس للذائقة المحافظة لتصبح ذائقة عموم الجمهور، وأنماط العقاب المتوقعة إن هو تجرأ على المحظورات، الكاتب العربي يمشي على حبل رفيع، والمسافة بين تصفيق الجمهور لنجاته، وتصفيقه لموته، ضئيلة جداً.
ـ يُعرف عنك أنك مولع بالتجريب، بماذا تعد القراء وإلى أين تتجه رحلتك الأدبية المقبلة؟
_ التجريب ليس ولعاً شكلياً فحسب، لكنه في جوهر الرؤية للعالم، في جوهر الأفكار، التجريب إيديولوجيا، وهو يعني التغريد خارج سرب الجاهز والمكرس والمألوف من أفكار، لذا فالتجريب بالنسبة لي شرطٌ للفن وليس ترفاً، ولا أعتقد أن العالم بحاجة إلى كتابة تعيد إنتاج المألوف (الذي كان تجريباً ذات يوم بالمناسبة)، رحلتي الأدبية القادمة روائية، ولا أعد القراء بأكثر مما اعتدته وتعودوه مني مع كل عمل جديد: مغامرة أدبية، أو لنقل مقامرة، إن ربحتها فسأربح كثيراً، وإن خسرتها لن أخسر شيئاً، فلا خاسر في الكتابة.